محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

429

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، قال أبو صالح : جعل شدّة العذاب لهم ثلاث مرّات . وقال أبو العالية : وويل لهم ممّا يكسبون من الخطايا ، وهو قول الربيع . وقال سعيد بن جبير : ممّا يكسبون من الحرام على كتابتهم ويجعلونه ثمن العلم . [ الأسرار ] قال أهل التدبّر في القرآن : إنّ الناس أبدا في كلّ زمان مقسّمون إلى عالم ومتعلّم وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق . فالعالم والمتعلّم على سبيل النجاة إذا كانا يعتقدان أنّ العلم بالتعلّم ؛ ومن الهمج من يتشبّه بالعالم والمتعلّم ، والعالم منهم مثل الناعق ، والمتعلّم مثل الرعاع ؛ وكما يكون في جانب الحقّ هاد ومهتد كذلك يكون في جانب الباطل مضلّ وضالّ ، ولم يخل الزمان قطّ من هذا التضادّ والترتّب . فأشار بالأمّيّين الذين لا يعلمون الكتاب إلّا أمانيّ إلى الأتباع والرعاع ، وأشار بالذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند اللّه إلى الناعقين المضلّين ، ولكلّ قسط من العذاب ، قال : لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ . فالمضلّون ينالون جزاء الضلال والإضلال ، والضالّون ينالون جزاء الضلال ؛ إذ قد تبعوا أئمّتهم بأهوائهم لا ببيّنة صادقة وآية شاهدة على صدقهم ؛ ويوم القيامة يتبرّأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا ؛ فيقول الشيطان : ما كان لي عليكم من سلطان إلّا أن دعوتكم فاستجبتم لي من غير حجّة وبرهان ، وكذلك يقول كلّ متبوع من غير حجّة لتابعه ؛ فتنقطع بهم أسباب الوصلات ؛ والناس أبدا في المنع من التقليد يبالغون حتّى يفتي بعضهم أنّ التقليد قبيح ، ويفتي ( 187 ب ) بعض أنّ التقليد كفر إذا كان في الأصول ؛ ورأيتهم متهالكين في التقليد متعصّبين فيه إلى غاية القتال عليه وبذل المهج فيه ، وكذلك فتنّا بعضهم ببعض ، وذلك لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وسرّ آخر : في كتابة الكتاب بأيديهم ليس مقصورا على اليهود ، بل وفي هذه الأمّة من مقالات الفرق وأصحاب المقالات بأهوائهم الباطلة قد صنّفوا كتبا وكتبوا مصنّفات من عند أنفسهم ، لم توجد عباراتهم موافقة لعبارات الكتاب والسنّة ، بل مطابقة لعبارات الفلاسفة